راديو سما

عزيزى الله

أضيف بتاريخ 05/20/2018
Koky Adel

جرت العادة في التواصل بين جميع الناس على إرسال الرسائل بعضهم لبعض

فالأحباء يفعلون ذلك وكذلك المتخاصمون، أيضًا من له دعوى يرفعها برسالة. الأصدقاء والأقارب أيضًا من وقت لآخر يتبادلون الرسائل وإن احتوت على كلمة واحدة.

واليوم أكتب إليك رسالتي يا الله، فأنت في كل تلك العلاقات قائم، أنت الحبيب والصديق والقريب والحكم والخِصم أيضًا. وبداية وأنت تقرأ رسالتي التَمِس لي العُذر، فلستُ بليغًا في التعبير أمام بليغ الكون ومبدعه.

عزيزي الله..

عرفت اسمك وقتما عرفت اسم والدايّ، وقالوا إن صورتك وشخصك تنعكس بشكل أو بآخر على البشر وعلى تصرفاتهم وتعاملاتهم. وعليه، فإذا أردت أن أراك سأرى جزءًا من ملامحك في المحيطين.

وأنا صغير رأيت حنانك في يد أبي وهي على كتفي، ورأيت حبك في مقدار حبه المحيط بي، ورأيت عطاءك في كل هدية يمنحها لي. كان هذا في الصِّغر، وعندما تقدمت في الأيام أصبح بعض الحُب مشروطًا، فأصبحت مقبولاً عندما أحقق درجات عالية في الدراسة، وعندما أتحدث بشكل لائق أمام الضيوف، وعندما أحافظ على ملابسي نظيفة.. وهنا بدأ التساؤل:

عزيزي الله.. هل أنت أيضًا حبك مشروط للبشر؟ أتحبهم وهم بلا إثم فقط؟ وإن كان هذا، فمن يتزكى أمامك ومن سيتمتع بحبك في الحياة؟

اتسعت دائرتى ولم تعد قاصرة على أسرتي الصغيرة، بل امتدت إلى العائلة الكبيرة أيضًا، وزادت ملاحظتي في كل تجمع للعائلة. وتعجَّبت من كَم المقارنات التي تُعقد بين أفرادها، البنات في مقارنة ومنافسة بعضهن مع بعض، والبنين أيضًا لم ينجوا من تلك الشبكة من المقارنات مع اختلاف عناصر المقارنة. وبطبيعة الحال في المقارنات لا بد أن يكون طرف متفوقًا على الآخر وأفضل منه في شيء.. هذه أجمل.. هذا مفتول العضلات.. قوامها ممشوق.. عيناها.. شعرها… سلسلة لا نهائية من التقييم. وكان تعجُّبي:

عزيزي الله.. هل تعقد المقارنات بين البشر على هذا النحو؟ ألديك أفضلية بينهم بحسب معايير معينة؟ وهل معاييرك كمعايير البشر أم أنها مختلفة؟

وانتقلت إلى مرحلة أخرى، وهي مرحلة التعلم عنك، وكنت طالبًا مجتهدًا متميزًا، إلى أن سألت أول سؤال لمعلمي، ولم يكون رده إجابة ولكن هجومًا، فكيف أسأل مثل هذا السؤال! عليّ باستغفارك عما صدر عني من تساؤل. وتحولت من طالب متميز إلى طالب مشاغب كل جريمته كانت مجرد سؤال. وكتبت لك في ورقة صغيرة وقتها:

عزيزي الله.. لماذا تغضب من الأسئلة التي تصدر من العقل الذي خلقته أنت؟ هل له وظيفة أخرى غير التفكير لم نكتشفها بعد؟

واتسعت الحياة أكثر وأكثر، ورأيت تصنيفات البشر الكثيرة، هذا كافر.. هذا منحرف.. هذا مُنتحر.. الأغرب كان الحكم على مصير الشخص النهائي، هذا سيذهب الجنة، وهذا مصيره النار! وأدركت أننا نصَّبنا أنفسنا آلهة على بعضنا، لأنك وحدك علام الغيوب وكاشف القلوب، فكيف يفعل البشر هذا؟

عزيزي الله.. من يعلم غيرك مصائر البشر؟ ومن يدري حال الزاهد وهو على فراش الموت ولا حال القاتل وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة؟! لعل الزاهد يكفر بك والسارق يتوب إليك، من يعلم!

وفي سعيي لمعرفتك وجدت معلمين وكتبًا كثيرة تشرح كيفية الوصول إليك والحديث معك، طقوس وقواعد جامدة لا يصح الخروج عنها إذا أردت معرفتك. عزيزي الله.. هل أودعت كتيبًا معينًا مع بعض البشر أصبح حصريًا لهم مع الاحتفاظ بحقوق النشر والتوزيع؟!

أغلب الظن يا الله أنك أبعد ما يكون عن تلك الصور المشوهة التي يقدمها البشر عنك، وظني أنك قريب تجيب دعوة الداعي إذا دعاك. وسأظل في تلك المعرفة باستمرار ولن أدركك للتمام، فلن يحوي المحدود غير المحدود بعقله، ولكن روحه تسعى أن تُحتَوَى.

عزيزي الله..

أستغيث بك مُحتميًا مني فيك

طارحًا عندك جهلي ومعرفتي

عقلي وقلبي، نفسي وروحي

أجيء إليك بطفلي المُلتصق بحضنك والمعانق لك

وراشدي الذي يركض في اتجاه معاكس له

وكهلي الذي يطلب من يقوده في الطريق

أجيء إليك بجبالي المنقلبة رأسًا على عقب

بصراعات الجبال والسهول في أعماقي

فدع الحمل يركض بجوار الأسد بداخلي

وفاء مرزوق رياض